مرحبا بكم على الفانوس اليمني

alfanouss maroc alfanouss algerie alfanouss tunisie alfanouss libye alfanouss egypt alfanouss liban alfanouss saudi alfanouss emirates alfanouss kuwait alfanouss syrie alfanouss jordanie alfanouss yemen alfanouss palestine alfanouss qatar alfanouss bahrain alfanouss iraq

إضغط على العلم من أجل تغيير بلد الموقع

الحكاية الشعبية ودورها في تثبيت العقيدة

لا جرم أن من أخطر ما تعانيه المجتمعات العربية والإسلامية عموما والمغرب خصوصا ظهور تيارات شاذة وأفكار دخيلة على مجتمعاتنا، قائمة على فهم سطحي للدين، و

إحياء للجوانب الشاذة في التراث، بعيدا عن الجوانب المُشرقة والمشرفة من هذا التراث.
وسنحاول اليوم تسليط بعض الضوء على جانب من الجوانب المشرقة من تاريخ أمتنا ومكون من مكونات المجتمع المغربي، وهي: «الحكاية الشعبية».
لا غرو أن الهدف الأساس من هذا التراث الشفاهي ـالحكايةـ لم يكن في زمن من الأزمان بغرض التسلية والمرح فقط، ولكن كان المقصد الأساس منه ترسيخ القيم والمثل العليا والمعرفة ونشرها بين الأجيال، وهي مكون من مكونات المجتمعات وهي أسلوب اجتماعي هدفه الإصلاح والتقويم والتوجيه والتربية في مجال الحياة العامة.
 فجميع الحكايات مرآة عاكسة لبنية المجتمع تاريخيا وفكريا واقتصاديا وعلميا، كما أنها تمتلك حلولا للمشاكل كلها، فهي عصارة لتجارب عدة مرت بها البشرية، لا تقتصر على جانب واحد بل تشتمل على كل مقومات المجتمع أفرادا وجماعات بأسلوب ينتقد أو يصف أسلوب الحُكم والحكام في الدنيا والدين وتنقل لنا الحياة بدواليبها المستورة والواضحة؛ فكانت استجابة للحاجة والواقع، ووعاء لكثير من الأحداث التاريخية وتصوير شعبي له.
إذ يمكن اعتبار اليوم الحكاية الشعبية وسيلة من وسائل الإصلاح والتنمية، وحتى نتمكن من استئناف مهمة التصحيح، وما تضمره العقول وتداوله الألسنة  من الألفاظ المخالفة للهوية الدينية والثقافية للأمة، والتي لا تخلو من انعكاسات سلوكية تسهم في تخلفنا وانحطاطنا فكريا وحضاريا، وتَحُول دون تقدمنا.
 عبر العصور شكلت الحكاية الشعبية عنصرا ثقافيا هاما في جميع أنحاء العالم عموما وفي المغرب خصوصا فهي تعبير عن المجتمع. ارتبطت بالظروف المعيشة وبالمعتقد الديني أو بالظروف التاريخية من خلال سرد وقائع وأحداث ومغامرات تحيل إلى تلك الأزمنة.  
فالقصص الشعبية في المغرب كثيرة ومتنوعة يصعب حصرها أو دراستها، ولكن ما كان منها خادما للعقيدة وحاميا لها عملنا على بلورته وتوظيفه توظيفا إيجابيا، وما كان فيه من الشرك والكفر البواح والوثنية يجب تصفيته وربطه بالوقائع والأحداث الباعثة عليه، ولا حاجة للأمة لذلك.
وفي هذا الإطار أشار صاحب الجلالة محمد السادس في رسالة بعثها إلى المشاركين في الدورة 23 للجنة التراث العالمي إلى «ضرورة اعتماد رؤية ديناميكية بخصوص هذه الحماية قوامها إدماج تراثنا في مشاريع التنمية وليس فقط تحنيطه في إطار رؤية تقديسية للماضي».
يمكن اعتبار الحكاية قناة للوعظ والإرشاد والتربية والحث على القيم السامية والتمسك بالهوية الدينية، فقد امتازت بعدة أبعاد تواصلية تجعل المجتمع والفرد فاعلين في التقدم الحضاري المبني على الرصيد التاريخي والفكري والاجتماعي والديني.
فالحكاية الشعبية قد تتعدد مضامينها، ولكن يبقى لها واقع خاص بها وأصول تستمد منها في نسج أحداثها تبعا للحاكي والمتلقي، فجاءت أبعادها كالتالي:
الأبعاد الاجتماعية والإنسانية: الظلم، العدل، الجوع، الحرية، المكر...
الأبعاد السياسية: الإحساس بالوطنية والانتماء، الأعياد والاحتفالات الوطنية...
الأبعاد الدينية: قصص الأنبياء والأولياء والصالحين، الإيمان، الرسالة والرسول، العقاب والجزاء...
ومما يؤكد أهمية الحكاية في الحفاظ على الهوية الدينية، كانت تضمن بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وتستهل بمقدمات عقدية، كما هو مُؤدَّى في حكاية «القطيّط والفار»:» كان يا سيدي حتى كان، حتى كان الله ف كل مكان، وحتى كان الحبق وْ السوسان ف حجر النبي عليه الصلاة والسلام».
ولعل ما يجب التذكير به، ما كان يقرأ في المساجد ما بين العشائين أو بعد دعاء القنوت عقب كل حصة مسائية من حصص حفظ القرآن، كما لا ننسى أن هذه المجالس كان يحضرها بعض التجار والصناع والعملة والحرفيين.. يقصدونها للتعلم، ويستمتعون بهذه الثقافة القريبة إلى الحكاية من الدرس الكلامي، وخير مثال على ذلك:»
ما يكان يان؟
ما يكان يان؟ ربي سبحانا هو.
من هو الواحد؟ الله سبحانه.
ما يكان سين؟ بابا تنغ اداما د ينانغ حاوا.
من هما الاثنان؟ أبونا آدم وأمنا حواء.
ما يكان كراض؟ ايت يسمضال: نكير د منكور د عزراين.
من هم الثلاثة؟ أصحاب القبر: نكير ومنكر وعزرائيل.
ما يكان كّوز؟ كوز لكوتوب لي ديزوكز ربي: التوراة لموسى، والإنجيل لعيسى، والزابور لداود، والفرقان لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
من هم الأربعة؟ أربعة كتب أنزلها الله: التوراة لموسى، والإنجيل لعيسى، والزابور لداود، والفرقان لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام..».
ويقول عبد الهادي التازي: «لقد أخذت على عاتقي أن أبحث في أصول تلك المرددات الشعبية التي وجدت أنها في معظمها، إن لم أقل كلها، ترجع إلى أصول ذات بال، بل إن فيها ما هو مستمد من نص القرآن، أو الحديث النبوي مما يؤكد تأثر البيئة المغربية بمحيطها الاجتماعي».
كما لا يفوتنا أن ننبه إلى أهمية ما يجري على ألسنة العوام من أمثال وحكم مستوحاة من متون عقدية أو فقهية أو تاريخية أو أدبية أو طبية...
من أمثال قول القائل لصاحبه وقد أخلف الوعد : «قولا وفعلا»، وهو بذلك يكرر ما تحفظه العامة والخاصة من متن ابن عاشر: «قولا وفعلا هو الإسلام الرفيع».
وكثيرا ما نسمع: «وحذف ما يعلم جائز» عندما يريدون التستر على ما يجري، ويرددون: «وعُفي عما يعسر» عندما يريدون أن يعتذروا عن القيام بعمل من الأعمال، وغيرها من الأمثال والحكم.
وإلى جانب الرصيد الفقهي والعقدي توخى أصحابها الجمال في صياغتها، فكان يعمد رواتها إلى جانب التزويق والتنميق، وبراعة الاستهلال، واختيار الكلم السهل بلغة متداولة طبيعية، مما ضمن لها انتشارا واسعا؛ لسهولة العبارات والتراكيب مع وضوح الصيغ.
 وينضاف إلى كل هذا وذاك أنها قادرة على مد جسور التعايش مع الآخر، فقد نسجت خيوط من التسامح والسلم والحوار.  
 نسجل في الختام أن الحكاية الشعبية في تراثنا المغربي لا تميل إلى التلقائية والخرافة والأسطورة والأحلام ..، ولكنها تعود إلى أصول أصيلة وواقع معيش، تهدف إلى تنبيه الغافل وتقويم المعوج ومساعدة المظلوم وتقوية الضعيف حفاظا على الهوية الوطنية وثوابته، كما أنها تحقق لنا تواصلا فكريا لا يستهان به بين السلف والخلف، لأن فيه بناء للهوية والشخصية والوطنية، ودعما لثقة هذا المواطن بنفسه وحضارته وتراثه.
 
 
 
 
الدكتورة حكيمة شامي
 
 

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.
A- A A+